نوال قارة تركي.. تكتب : حين نبحث عن السكينة بعيدًا عن منابعها

3

 

في زمن تتسارع فيه الحياة، وتتزايد فيه الضغوط النفسية والاجتماعية، أصبح الإنسان المعاصر يبحث بشغف عن الهدوء والتوازن والسكينة. ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، ظهرت أمامه عشرات الممارسات التي تُقدَّم له باعتبارها طريقًا إلى الراحة الداخلية، من اليوغا والتأمل وتقنيات التنفس إلى بعض الخطابات المرتبطة بما يسمى «الطاقة الإيجابية».

ولا تكمن الإشكالية في ممارسة الرياضة أو استخدام تقنيات الاسترخاء، فبعضها قد يساعد فعلًا على تخفيف التوتر وتحسين الشعور بالراحة. وإنما تستحق الظاهرة وقفة أعمق عندما تتحول هذه الوسائل من أدوات مساعدة إلى بدائل روحية، فيبتعد الإنسان تدريجيًا عن مصادر السكينة الموجودة أصلًا في منظومته الدينية والثقافية.

فالإنسان المسلم لم يكن يومًا بلا وسائل للبحث عن الطمأنينة. فقد كانت الصلاة، والذكر، والدعاء، والمناجاة، والاستغفار، وصلة الرحم، والصدقة والإحسان، تشكل منظومة متكاملة تربط الإنسان بخالقه وبذاته وبمجتمعه. يقول الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

إن الفرق هنا ليس بين «ممارسة حديثة» و«ممارسة قديمة»، وإنما بين تقنية للاسترخاء ومنظومة تمنح الإنسان معنى لحياته. فقد يستطيع الإنسان أن يهدئ جسده بالتنفس أو الاسترخاء، لكنه يظل محتاجًا إلى إجابة عن أسئلة أعمق: من أنا؟ لماذا أعيش؟ إلى من ألجأ عندما تضيق بي الحياة؟ وما الذي يمنح معاناتي معنى؟

وهنا تظهر أهمية الصلاة والدعاء والمناجاة. فالصلاة ليست مجرد حركات جسدية، والدعاء ليس مجرد طلب للأشياء، والمناجاة ليست مجرد كلمات؛ إنها علاقة قائمة على الافتقار إلى الله والرجاء فيه. أما صلة الرحم، فهي بدورها ليست مجرد واجب اجتماعي، وإنما مصدر للانتماء والتكافل والشعور بأن الإنسان ليس كائنًا معزولًا.

ومن الناحية الاجتماعية، يمكن الاستفادة من أفكار عالم الاجتماع إميل دوركايم الذي رأى في الطقوس والروابط الجماعية عنصرًا مهمًا في بناء التضامن والمعنى. كما يساعد مفهوم «الهابيتوس» عند بيير بورديو على فهم تأثير العادات التي يتعلمها الإنسان داخل أسرته ومجتمعه؛ فحين ينشأ الطفل في بيئة يكون فيها الدعاء والصلاة وزيارة الأقارب ومساعدة الآخرين جزءًا طبيعيًا من الحياة، تصبح هذه الممارسات جزءًا من تكوينه النفسي والاجتماعي.

لكن عالم اليوم يعيد تشكيل هذه العادات. فقد أصبحت الأسرة أقل حضورًا في حياة بعض الأفراد، وأصبح الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرون مصادر أساسية لتكوين الوعي. وفي ظل هذا التحول، ظهرت سوق جديدة لا تبيع المنتجات المادية فقط، وإنما تبيع أيضًا الراحة والسعادة والتوازن والروحانية.

وهنا يمكن أن تتحول الروحانية نفسها إلى سلعة: دورة للتوازن، جلسة للطاقة، برنامج للسلام الداخلي، أو تجربة جديدة يبحث الإنسان من خلالها عن ذاته. وقد يجد الفرد نفسه ينتقل من تجربة إلى أخرى، دون أن يصل بالضرورة إلى ذلك العمق الذي يبحث عنه.

ولذلك، فإن المطلوب ليس محاربة كل ما هو وافد، ولا إصدار أحكام عامة على اليوغا أو التأمل أو غيرهما، بل امتلاك وعي نقدي يميز بين ما هو مفيد صحيًا، وما هو ادعاء غير مثبت علميًا، وما هو طرح روحي قد يتعارض مع المرجعية الدينية للفرد.

ربما تكون المشكلة الحقيقية إذن ليست في أن الإنسان يبحث عن السكينة، فهذا البحث جزء أصيل من طبيعته، وإنما في أنه قد يبحث عنها في كل مكان وينسى منابعها الأولى.

قد نبحث عن «الطاقة الإيجابية» بينما نحتاج إلى صلة رحم تعيد إلينا دفء الأسرة. وقد نبحث عن «التوازن الداخلي» بينما نحتاج إلى لحظة صدق في الدعاء. وقد نبحث عن الهروب من الضغوط في تقنيات متعددة، بينما نحتاج أحيانًا إلى سجدة طويلة، أو استغفار صادق، أو مصالحة مع إنسان أحببناه ثم ابتعدنا عنه.

إن استعادة الروحانية الأصيلة لا تعني الانغلاق عن العالم، بل تعني أن نستفيد من العصر دون أن نفقد بوصلتنا. فالجسد يحتاج إلى الرياضة، والعقل يحتاج إلى المعرفة، والنفس تحتاج إلى الراحة، أما الروح فتحتاج إلى المعنى والاتصال بالله.

وفي النهاية، ربما لا يكون الإنسان بحاجة إلى اكتشاف «طاقات» جديدة بقدر حاجته إلى إعادة اكتشاف ما نسيه من طاقاته الروحية الأصيلة. فبين ضجيج العصر وكثرة الوصفات الجاهزة للسعادة، قد تكون السكينة أقرب إلينا مما نعتقد: في صلاة خاشعة، ودعاء صادق، ومناجاة، وصلة رحم، وصدقة، وكلمة طيبة، وقلب يعود إلى الله.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *